هل يرى الفيلسوف الحكيم الشيخ أحمد بن زين الدين أن الميت والأشياء تنعدم وتفنى فناء حقيقيا؟

                                                                                           الشيخ سعيد محمد القريشي

 الحقيقة الجواب على هذا السؤال يحتاج تقديماً وشرحاً. إذاً من الضروري حتى تفهم رأي الشيخ أحمد بن زين الأحسائي رحمه الله لابد من قراءة الجواب كاملا، فأقول أنا سعيد محمد القريشي: أن تعريف (العدم) أو ما يقع ضمن معناها في بحثنا هنا حصرا كالـ(ـالفناء/ الدثور) هو نقيض الوجود أو اللاشيء وهو بدهي الفهم فهو يعني خروج مادة الشيء من حيز الوجود كأنها لم تكن متحققة ولا نعني هنا صورة الشيء بل مادته التي تقوم وجوده وتحققه في ظرف الواقع تلك التي نلمسها بالحواس بدهيا أو نشعر بأثرها فعليا كالكهرباء. فنقول عدم الأشياء قسمان:

1ـ عدم الصورة أو التركيب: ونعني به فناء الصورة القائمة للكائن، أي فناء ذلك التركيب الذي يشكل الماهية الظاهرة للحواس ويدركها العقل بدهيا، وهذا العدم يجمع على تحققه الفلاسفة والفيزيائيون والشيخ احمد رحمه الله وهذا الذي نسميه إعادة التدوير للأشياء بصورة وماهية جديدة بعدم إعدام التركيب السابق لهذه المواد. يقول الفيزيائيون: كل ما يحدث هو تحول من شكل إلى آخر والمعلومات والطاقة لا تختفي من الكون.

2ـ عدم المادة أو نفي التحقق: أي أن مادة الشيء التي تقوم تحققه في ظرف الوجود، فهذا العدم يقول الفيزيائيون أنه مستحيل الحدوث..من مقولاتهم: الجسيمات تتفكك إلى جسيمات أخرى لكنها لا تختفي تتحول فقط ولا يوجد فناء حقيقي للأشياء.. كل ما يحدث هو تحول من شكل إلى آخر والمعلومات والطاقة لا تختفي من الكون. ميكانيا الكم: الجسيمات تظهر وتختفي في الفضاء الكمومي، لكن لا يسمى هذا عدما، الفراغ نفسه مليء بالطاقة، والظهور والاختفاء مجرد تحولات في الحالة وليس خروجا من الوجود المطلق. والفلسفة الحديثة والمعاصرة تدعم الفيزياء في هذا الرأي دعما قاطعاً. الفلسفة الحديثة: "هيوم":لا نرى الفناء بل نرى تغير العلاقات بين الأشياء. "كانظ": العدم مفهوم ذهني وليس شيئا يمكن أن يحدث في التجربة. "سارتر": الوجود سابق على العدم والعدم حالة ذهنية. الفلسفة المعاصرة: ترى ان العدم المطلق شيء ضبابي وغير مفهوم ولا يقبل التصور. الأشياء لا تعدم، بل تتغير بنيتها ولا تظهر في تجاربنا. والشيخ أحمد بن زين الأحسائي (1166 – 1241 هـ) قال ذلك بزمن مؤيدا القرآن الكريم وكلام المعصومين عليهم السلام حيث قال سبحانه:(كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ  وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ). فمما لا شك فيه أن الفناء المقصود هنا هو الموت ثم انعدام التركيب والصورة للكائنات الحية وليس المقصود خروج المخلوقات والكائنات بمادتها من الوجود والتحقق. أن الفكرة الفلسفية المشائية التي تقول أن الأشياء تعدم كلام باطل وهذه من أوهام الفلسفة المشائية وتضاربها الشديد..حيث أصلوا قاعدتهم الشهيرة "استحالة إعادة المعدوم".. التي تتضمن القول بإمكان عدم المادة بعد تحققها، ثم بنى أستاذهم المشائي الأول الشيخ الرئيس رأيا كلامياُ أنهم يؤمنون بالعود يوم القيامة شرعاُ لاعقلا [راجع كتاب الشفاء – الإلهيات، ج 2ص 442-443. طبعة القاهرة الهيئة المصرية العامة للكتاب]. بناء على قاعدتهم السابقة أي عقلهم يمنع إمكان العود، ومرة أخرى يشم من كلام آخر للشيخ الرئيس موافقة رأي الفيزيائيين المعاصرين. وشيخنا يؤكد أن  كل شيء دخل حيز الوجود لا يخرج منه بحال كما ورد في الحديث:«حدثنا أبى رحمه الله قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميرى عن هارون ابن مسلم عن مسعدة بن زياد قال: قال رجل لجعفربن محمد يا ابا عبد الله، إنا خلقنا للعجب؟ قال: وماذاك لله أنت، قال خلقنا للفناء؟ فقال: مه يابن أخ، خلقنا للبقاء وكيف تفنى جنة لا تبيد ونارلا تخمد ولكن قل: إنما نتحرك من دار إلى دار».[علل الشرائع،الشيخ الصدوق،ج1ص11].ولأن العقل يرفض خروج الشيء من الوجود بالصورة التي يطرحونها، فأي شيء كان متحققاً مهما تفكك إلى ذرات أو حتى فتت تلك الذرات، فهذا لا يعني أنه فنى بمادته، بل موجود بشكل مفكك إلى أجزاء لا ترى بالعين الحسية، والذي يقول أن الأشياء تفنى بما فيها جسد الإنسان، فليأتي بالدليل القاطع وبين ذلك خرط القتاد، وقد ثبت في  الفيزياء الحديثة أن المادة لا تعدم ولا تستحدث من العدم، بل تتحول من حال إلى حال، وليتبصر المشاؤون ومن أراد الحقيقة الصافية. وأخيرا أنقل لكم رأي الشيخ نصا مختصرا يقول رحمه الله: (وقوله تعالي: "كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ" أي متغيّر ومنتقل لا بمعني منعدم).[شرح العرشية ج1 ص291]. وهناك نصوص مطولة للشيخ في شرح معنى الفناء والدثور لم أنقلها خوفاً من التطويل. وهذا البحث يؤسس لفهم علم المعاد بشكل جذري.

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة