سوء فهم مقام النبوة من الأقلام الفلسفية والمستشرقة

              (كيف عالجه الحكيم والفيلسوف الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي)

                                                                  الشيخ سعيد محمد القريشي

استمعت لفيديو يتضمن خطاباً فلسفياً يشكل تدبراً من صاحبه، وفيه سوء فهم شديد لمقام النبوة. وفي صدد نقاش سوء الفهم هذا بنفس المنهج والمنطق التدبري بعيداً عن تفصيل الحديث والقرآن والتاريخ واللغة بمنهج وأسس الحكيم الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي رحمه الله نقول:

1ـ مضمون كلامه الملتبس في فهم مقام النبوة يقول: أنا بشر أحمل جميع صفات البشرية وأهمها حاسة العقل وقدرة التعبير والنبي بشر كذلك. يعني أنا كبشر أعرف كيف أتلقى فكرة ثم أعبر عنها لغوياً. أنت كنبي ـ ويقصد هو مطلق النبي كذات ومنصب ـ كيف تتلقى الوحي وتعبر عنه أي هل يقع خطأ أو كذب حين تعبر عن الوحي بعد تلقيه أوضح لنا ـ يقصد النبي كمقام ـ حتى نحكم عليك حكماً معيارياً هذا ملخص كلامه انتهى. ولا شك هذا منطق يلغى قيمة الأنبياء كقيمة ربانية مقدسة. ولكن هذا ما عليه حال الفلاسفة مع الأنبياء والمعصومين عليهم السلام على مر التاريخ، فلا عجب حتى نعرف حجم معاناة الأنبياء مع المنكرين لمهام ووظائف الأنبياء عليهم السلام.

2ـ وأقول أنا سعيد محمد القريشي في معرض نقاش العقل المتكبر على الأنبياء: النبي بشر صحيح ولكن بشر معصوم يوحى له وأنت لست معصوماً ولا يوحى لك.. لأن ذات الأنبياء أرقى من ذاتك وأصفى بلا قياس لذلك سمي نبياً بما تحمله ذاته من صفات معيارية تؤهله لمقام النبوة والرسالة الإلهية مثل (العلم، الحلم، الشجاعة، الطهارة الذاتية، اللياقة الذاتية لتحمل الرسالة، العصمة، البلاغة، الحجة البالغة، وغيرها من صفات الكمال للذات) وفي قبالها الكثير من صفات النقص لغيرهم من المدعين لمقامهم عليهم السلام، فكانت ذات النبي محط تلقي الفيض الإلهي الذي عجزت ذاتك عنه؛ فليست النبوة سوى القابلية لحمل الرسالة الإلهية يقول الله سبحانه: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ). أي ذاته صل الله عليه وآله تحمل خصائص تلقي الوحي بدليل قوله تعالى:(قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي). وهذا الوحي والرسالة والاصطفاء سببها القابلية الذاتية، أي اللياقة لتحمل الوحي وقدرة تحمل الرسالة من الموحي والمرسل. وثانياً بسبب الاصطفاء من قبل مرسل الوحي أي الله حيث قال: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ). وقال:( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ). وقال أيضا:(قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ). حسناً لو قال صاحب سوء الفهم والعقل الفلسفي المتكبر لو سلمنا بالصفات المعيارية للنبي كيف نعرف أنه نبي؟ نقول نحتكم عند القاعدة المسلمة عند جميع البشرية تاريخياً: ادعى النبوة وأتى بالمعجز. ومعاجز الأنبياء معروفة مسجلة تاريخيا بالدليل التاريخي بنحو ثابت. من هنا يتم دحض فكرتك القائمة على المقارنة بين ذاتك وذات النبي ويدحض التكبر المرضي للعقل الفلسفي، ويغلق باب طموح الفلاسفة في الاتصال بمشكاة العقل الكلي (المعلم) ويجبر الفلاسفة للخضوع صاغرين للتعلم من الأنبياء كتلاميذ لعجز ذاتهم ولعدم اصطفائهم من قبل المرسل الرب سبحانه وإن أنكرت ما طرحناه، فالتاريخ يثبت وجود الأنبياء ومعاجزهم عليهم السلام، ونقول للفيلسوف المتكبر على الأنبياء هم عليهم السلام ادعو النبوة وأتوا بالمعجزات، فعليك أن تفعل مثلهم إن استطعت أو تكون مصداقاً للآية الكريمة الصريحة الموجهة لأمثالك:﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾. يقول الشيخ أحمد بن زي الدين الأحسائي في كتابه الثمين شرح الزيارة الجامعة الكبيرة:(والنبوة الإخبار عن مراد اللّه بغير واسطة أحد من البشر وقيل النبوة هي الإخبار عن الحقائق الالهية والمعارف الربانية وهي الإخبار عن ذات الحق وأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه وتنقسم إلى نبوة تعريف وهي الإخبار والإنباء عن معرفة الذات والصفات والاسماء والأفعال وإلى نبوة تشريع وهي ذلك مع زيادة تبليغ الأحكام والتأديب بالأخلاق الحميدة والتعليم للأحكام والقياس بالسياسة وتسمّى هذه رسالة وقيل النبوة قبول النفس القدسية حقائق المعلومات والمعقولات من جوهر العقل الأول والرسالة تبليغ تلك المعلومات والمعقولات إلى المستعدّين ويجوز أن يراد بالنبوة الرفعة من نبا ينبو بمعني ارتفع أي يا أهل بيت الرفعة والشأن العظيم كما أشير إليه فيما بعد طأطأ كل شريف لشرفكم و بخع أي خضع كل متكبر لطاعتكم).[شرح الزيارة، ج1ص21]. ولعلنا قدمنا شيئا من صفات النبوة تخرج الشاك من التيه والعتمة إلى نور العلم الإلهي والحكمة الربانية بالتدبر الفطري. فنخلص إلى أن مقام النبوة والرسالة هو تحد للناس كافة بادعاء مقام النبوة والرسالة والاتيان بما يعجزهم فليست المعاجز سوى تعجيز المنكرين لمقام النبوة عن القيام بمثله من خلال التحدي بالعصمة والتحدي بالعلم والتحدي بالمعجزات الباهرات المتتاليات المذكورة في القرآن والتاريخ الثابت الصحيح، وفي قصة إبراهيم عليه السلام والنمرود عبرة حيث قال تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. وتحدى الله الإنس والجن في كتابه الكريم: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً. فليس هذا سوى إثبات مقام النبوة. وهذه المعجزة لازالت سارية للآن تهزم جميع فلاسفة الاستشراق والإلحاد وهي القرآن الكريم رغم بحوثهم الكثيرة المتضارب بعضها في بعض. يقول الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي في ذلك صريحاً: "إذا عرفت هذا فنبيُ هذه الأمة هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن نضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس ابن نزار بن معد بن عدنان صلى الله عليه وآله الطاهرين لأنه ادعى النبوة وأظهر المعجز المطابق على يديه. وكل من ادعى النبوة وأظهر المعجز المطابق على يديه، فهو نبي وقد تواتر بين المسلمين وغيرهم من جميع أهل الدنيا أنه قد ظهر رجل في مكة المشرفة اسمه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله ادعى النبوة وأظهر الله المعجز على يديه المطابق لدعواه المقرون بالتحدي فيكون نبياً حقاً. وهذا التواتر موجب للقطع إلا لمن سبقت له شبهة وهذا أمر متواتر بين جميع أهل الأرض لأنه صلى الله عليه وآله خاتم النبيين، فلا يكون نبي بعده ولا معه، فيجب أن يكون نبياً مرسلاً إلى الناس كافة لأنهم مكلفون، ولا يصح تكليفهم بغير حجة ولا تثبت لله حجة على خلقه إلا على النحو المذكور، فتثبت نبوته بالتواتر عند جميع المكلفين، وأما من سبقت له شبهة، فكذلك وإن كانت نفسه قد تعودت على الإنكار لأن الله سبحانه يقول:﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾. وأما معاجزه التي صدق الله بها دعواه، فكثيرة. وقد عد علماء الأمة منها ألف معجز، منها انشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه، وإشباع الخلق الكثير من الطعام اليسير، وشكاية البعير، وكلام الذراع المسموم، ونطق الجمادات، وحنين الجذع، وتسبيح الحصى في كفه، وختمه الحصى بخاتمه، وغير ذلك، ومنها القرآن العزيز الذي:﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾. وقد تحدى صلى الله عليه وآله به العرب العرباء حتى تحديهم بالإتيان بأقصر سورة من مثله، فعجزوا عن ذلك، ولما لم يقبلوا منه للحمية الجاهلية صبروا على حدود الرماح وشفار الصفاح حتى أباد مقاتليهم، وسبى ذراريهم، وتحملوا لبس العار ووقوع البوار، ولم يقدروا أن يدفعوا بالاتيان بسورة مثله، وهو باق إلى فناء العالم قد تحدى به ما سوى الله، فلم يطق أحد من خلق الله معارضته، ولم يكن لنبي من أنبياء الله عليهم السلام معجز باق بعدهم لأن نبوتهم منقطعة إلا معجز نبينا صلى الله عليه وآله، فانه باق ما بقي التكليف لأن نبوته صلى الله عليه وآله باقية كذلك ليكون معجزة قاطعاً لحجة المعترضين المعاندين."[حياة النفس في حضرة القدس، ص 22 - 23، مكتبة الشيخ الأوحد الألكترونية]. ولعل ما قدمناه هنا يكون منبهاً لمن لديه فطرة لم تلوث بعد بالأوهام والمضادات الفكرية المشوشة ولعل ربي يتقبل مني ما كتبته في محبته ورضاه.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة