أصل
المعرفة ومعيارها لدى الإنسان
(كيف شخصها الحكيم الشيح أحمد بن زين الدين
الأحسائي)
الشيخ سعيد محمد القريشي
1- ما هي المعرفة؟ المعرفة
هي إدراك ووعي وفهم الحقائق والماهيات في الواقع الخارجي عن طريق حواس الإنسان
وأعلاها الفؤاد والعقل من خلال ممارسة السؤال بما هو؟ وكيف؟ ولماذا؟ وغيرها من
الأسئلة التي توجه نحو ماهية الأشياء وأسبابها في الواقع الخارجي بهدف جمع
المعلومات وتكوين المعرفة الانتزاعية التركيبية حولها سواء أعرضتها على معيار
الصدق أم لا. وهذا يفصلها عن العلم المتيقن صدقه من خلال المعايير المعروفة
كالتجربة والاستقراء والرياضيات وتطابق العوالم الثلاثة الآفاقية والأنفسية
والتدوينية في حكمة الشيخ احمد بن زين الدين الأحسائي رحمه الله. جاء في كتاب الله
الكريم: ﴿ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا
أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ
الضَّالِّينَ﴾. فهو يسأل عن الماهيات التي رآها هل هي ربه أم غيره بهدف
المعرفة ثم طلب الهداية حتى لا يكون من الضالين بسبب معرفته الداخلية الانتزاعية
فهو يطلب الصدق بالوحي، أو بمعيار تطابق العوالم الثلاثة كما أخبر سبحانه:﴿
سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ
لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ
شَهِيدٌ﴾.
2- يرى الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي أن الواقع الخارجي -
الوجود الخارجي - هو مصدر وأساس تكوين المعرفة لدى الإنسان وأن الذهن والعقل حاستان
تستمدان معرفتهما من الخارج، بل لا يستقلان بالمطلق في أصل المعرفة عن الواقع الخارجي
نعم حاسة العقل وحاسة الذهن تستطيعان إعادة التركيب للمعرفة من الأصل الخارجي
كمعرفة تجريدية انتزاعية لها أصل ومصدر يشكلها وهو الواقع الخارجي حيث أخبر
سبحانه: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ
وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. حيث معيار
الصدق والعلم هو الواقع الخارجي لأنه الأصل لذلك كان معياراً. ومثال المعرفة
الذهنية في الفلسفة هي تخليق الذهن فكرة شريك الباري أو طائر العنقاء الخيالي الذي
لا أصل له في الخارج خلافا لتيار الفلسفة المثالية التي ترى أن العقل هو من يشكل
العالم الخارجي. إذاً باعتبار أن المعلومات مخلوقات لله ذهنية أو خارجية فما خلقه
الله بجعله الخاص يكون في الخارج وما ركبه الإنسان كمعرفة انتزاعية يكون في الذهن
بمدد من الله حيث قال تعالى:﴿ كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ
عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾. هذا على مستوى
المعرفة الأصلية وليس التركيبية الانتزاعية قال تعالى:(وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا).
أي كذباً في المعرفة وقال تعالى أيضا:﴿ قَالَ بَلْ أَلْقُوا ۖ فَإِذَا
حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾.
فالقرآن هنا ينفي أن أصل المعرفة هو الخيال لذلك قال هي لا تسعى كمعرفة أصلية في
الواقع الخارجي، بل يخيل إليهم فما يوجد في ذهنك مستمد من الخارج الذي لا يشكله
ذهنك وعقلك بل يشكله الخالق بمدده الفعلي وجعله الخاص:﴿ كُلًّا نُّمِدُّ
هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ
مَحْظُورًا﴾. وقال أيضا:(وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ). وقال
تعالى أيضا: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا
فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ﴾. وقال سبحانه أيضا: ﴿ وَهُوَ الَّذِي
جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ
نُشُورًا﴾. أي الماهيات خلقها الله في الخارج كأصل للمعرفة، فمنها تتشكل معرفة
الإنسان وليس من حواسه الباطنية كالعقل والذهن والوهم وغيرها.
3 – من هنا يقول الحكيم الشيخ الأحسائي العقل والذهن ليسا
مستقلين بذاتهما في المعرفة عن الواقع الخارجي، بل الواقع الخارجي هو مستقل بذاته
معرفيا عن جميع الحواس الباطنية لدى الإنسان كالوهم والخيال والعقل وغيرها..لأن
الخارج معرفة أصلية وهي المعيار والحواس الباطنية معرفة انتزاعية تركيبية تستمد
وتقوم على المعرفة الخارجية ومن هنا يفترق عن الفلسفة المثالية ويقترب من الفلسفة الوضعية في
بعض الخطوط.
4 – إذاً يرى الحكيم والفيلسوف الشيخ أحمد أن
المعرفة الأصلية الأساسية وليست التخيلية التركيبية تبدأ من الواقع الخارجي وليس
من حاسة الذهن والعقل، ومن هنا يفترق عن التيار المشائي ـ حسب تفصيل فلاسفته ـ والمتعالي بعيداً.
5 – يعتبر شيخنا أن العالم له بنية معرفية حسية وخيالية عقلية
ولكن الحس هو الأصل بمعنى أن أساس المعرفة حسي والحواس أدوات للمعرفة الأصلية
والانتزاعية التركيبية.
6 – كل ما سبق خاص بالإنسان غير المعصوم أما الإنسان المعصوم
عليه السلام فتتساوى لديه منبع المعرفة العقلي / الذهني والواقع الخارجي كما شرح
الشيخ في السلسلة الطولية.
7ـ يقول الشيخ رحمه الله في خيال المعصومين عليهم السلام: "نعم
الخيال الكلي الذي هو خيال علة الوجود الخارجي كخيال محمد وأهل بيته الطاهرين صلى
الله عليه وآله يجري هذا الحكم له وقد اشرنا في شرح الزيارة الجامعة الكبيرة إلى
كثير من ذلك وأما من سواهم فكل ما في خيالهم فانتزاعي ظلي". [شرح
المشاعر، ج1 ص34].
8 ـ ويقول الشيخ في خيال ومعرفة البشر العاديين: "كالفرق
بين الوجود الانتزاعي الظلّي فانّه منتزع من الوجود الخارجي انتزعه الذهن منه
كانتزاع المرآة صورة المقابل فانّ حركته حركة هويةٍ أي تجدّد ذاته وهويّته وبين
الوجود الذاتي وهو ما به يوجد الشيء ويطرد عنه العدم فانّ تجدُّدَه بِحركته
الذاتيّة تجدّد حاله". [شرح العرشية، ج1 ص 308]. ولعلنا بهذا المختصر
سجلنا رأي الحكيم والفيلسوف العلامة الشيخ أحمد بن زين الدن الأحسائي في أصل منبع
المعرفة والتفصيل للكتب المفصلة.
تعليقات
إرسال تعليق