مدرسة الشيخ أحمد بن زين الأحسائي الفلسفية الحكمية
الشيخ سعيد محمد القريشي
في شرق جزيرة العرب القاحلة، وبالتحديد
في قرية المطيرفي من محافظة الأحساء، ولد شيخنا الجليل، حاملاً معه طموحاته
الرسالية، لينبئ بأنه مولود غريب الأطوار، ستختلف عليه الأمة الشيعية على طرفي
نقيض بين مؤيدٍ مبجل، وناقد مكفر، وثلة قليلة وقفت محايدة، وهناك جماعة بالغت في
حقدها عليه فاتهمته، بأنه جاسوس للقوى المعادية للإسلام والتشيع جاء من
أندونيسيا.
وقد نما شيخنا الجليل ببركة أهل البيت
عليهم السلام، فصار حكيماً إلهياً وفقيهاً
مجتهداً أصولياً ولغوياً بارعاً وكميائياً خبيراً وأديباً شاعراً وأخيراً صاحب
مدرسة حكمية جديدة شامخة الصرح مكتملة البناء وكأنها قد خرجت من لسان نبي .
تصور عام عن مدرسته :
إن كلمة مدرسة تعني الإشارة الى مجموعة
من الأفراد والأعمال التي تتبنى فكراً نظرياً مشتركاً أو أولئك الذين يستخدمون
منهجاً محدداً في جمع المادة وتحليلها. ومدرسة الشيخ وتلاميذه صورة مطابقة لهذا
التعريف فلا منافاة بين الشيخ وتلاميذه لا في المنهج ولا في المضمون. نعم قد
يختلفون في الإستنتاج للطبيعة الإجتهادية الخاصة لكل فرد في المدرسة. وهذا يدحض
القول القائل بأن أفراد المدرسة يقلدون شيخها ورأيسها .
وهذه المدرسة ليست
ميتافيزيقية صرفة ولا وضعية صرفة حسب حالات (كونت) الثلاث المشهورة، فهي وإن
كانت تستفيد من معطيات التجريب إلاّ أنها تعتمد على نصوص دينية قائمة على مقدمات
عقلية يقينية .
وقد تميزت مدرسته عن جميع المدارس الفلسفية والكلامية الإسلامية والشيعية خاصة، بل تعتبر هذه المدرسة ـ حسب نظرة هذه المدرسة ـ أنها الوحيدة بين المدارس التي أخرجت التوحيد الإسلامي بشكل صافٍ من اللوثات الفلسفية الأجنبية سواء يونانية، أو فارسية ، أو غيرهما من الفلسفات المستوردة .. أبـان الدولة الإسلامية حيث نشطت حركة الترجمة من جميع المدن التي فتحت إسلامياً .
وحيث أن المدرسة الإخبارية جهدت في جميع الأحاديث وتبويبها وتمييز الصحيح منها. وعلى الجانب الأخر قامت المدرسة الأصولية على أيدي أقطابها بتشييد الصرح الشامخ للمدرسة الأصولية في الاستنباط من فكر أهل البيت ـ عليهم السلام ـ كان هناك فراغا متروكاً في المدرسة الحكمية الشيعية. من هنا يأتي الدور المهم الذي لعبته مدرسة الشيخ الأوحد، فهي شمرت عن ساعديها لتكمل بناء الصرح الحكمي في المدرسة الشيعية بشكلٍ لايخالف فكر أهل البيت عليهم السلام ـ. ولعلّ هذا هو السبب الذي جعلها تحت مجهر مدارس الخصم .. ولكنهم نظروا لهذه المدرسة بـ(نظارة حمار جحا) وليس بعين المجهر العلمي إلا ما شذ وندر.
وقد اهتمت هذه المدرسة بجانب العقل أيما اهتمام فقد أعطته أهميه قصوى للوصول للحقائق ولكن بشرط عمله خلال الرواية أو النص القرآني. لما يشكله العقل من طريق قوي في كشف الواقع وإحرازه الحقيقة الموضوعية.
فعلى هذا، هذه المدرسة ليست مدرسة إخباريـة
كما اتهموها معارضوها بذلك فقالوا: إنها تنحو
منحى المدرسة الإخبارية في عملية الاستنباط الفقهي وكذلك الاستنباط العقيدي، وهي
ليست مدرسة توفيقية توفق بين العقل والنقل كما يحلو للبعض تسميتها ،بل هي مدرسة
لها منهجية مستقلة مستقاة من النصوص الشيعية الصحيحة، والقران الكريم فهي تقول:حتى
نصل الى الحقيقة لابد أن نعمل عقولنا في النصوص القرآنية والأحاديث النبوية
والروايـات الواردة من أهـل البيت ـ عليهم السلام.
فهي بهذا الشكل لاتنكر دور العقل للوصول
للأحكام الفلسفية والكلامية بل على العكس تؤمن به ولكن في (النص) على العكس من
المدارس الفلسفية والكلامية الأخرى فهي تقول: العقائد أمور عقلية لادخل للنقل
فيها أو بعضها تأتي بنظرية مستوردة ثم تلصق (النص) بها على أنها نظرية إسلامية
صرفة.
وللمدرسة منهجية أخرى في عرض الحقيقة تخالف بها
المدارس الفلسفية والكلامية الإسلامية فهي تقول:
إن الأسلوب المنطقي والفلسفي قد يفحم، ولكن لا يقنع ،وما أكثر المغالطات المنطقية.
فهي تقسم أساليب عرض الحقائق وتوصيلها للناس الى ثلاثة أقسام كما قسمها القرآن
الكريم .
الأول دليل الحكمة
والثاني دليل المجادلة والثالث دليل الموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن .
وقد أعطت هذه المدرسة جل نقوداتها
،وشروحاتها للتوحيد فهي تنزه الله عن جميع صفات المخلوقات والإمكانات بل لا توجد
مدرسة كلامية أعطت التوحيد هذا الاهتمام .. حتى قال الشاعر #: ما وحد الجبار إلا من به
علقت عقائدنا فكانا الأوحدا .. فعلى هذا تقول : هذه المدرسة ( لا يوجد
اتصال وانفصال بين الخالق والمخلوق ) بل المخلوقات دوماً حاضرة في ملك الله سبحانه
وتعالى قائمة بأمره ولا يوجد أي شي موجود إلا الخالق والمخلوق فلا ثالث لهما ولا
ثالث بينهما.
مدرسة الشيخ والوضعية :
هل حكمة الشيخ الأحسائي حكمة (فلسفة) دينية ؟ لقد أتهمها الكثيرون بهذه التهمة، وهي في الحقيقة ليست كذباً، بل عين الحقيقة، وكبدها. فالشيخ أحمد بن زين الدين لم يتكلم في كتبه الإ من خلال نصوص القرآن ، ونصوص الأئمة المعصومين ـ عليهم السلام ـ ولكن ليست هذه المدرسة مدرسة دينية بما يحملونه من مفهوم ورثوه عن (كونت) .. بل فلسفة دينية تحمل في جوفها منهجها العلمي الذي أخذ على عاتقه الوصول للحقيقة دون لبس أو ظن فهذه المدرسة عندما تقول : وحدة الوجود باطلة. فهي كما تثبت ذلك بالقرآن والسنة تختمه بدليل العقل الذي تكون نتيجته مطابقة للواقع الخارجي، والحقيقي. فهي لا تتوسل بالمغالطات المنطقية، ولا بالعبارات المطاطية الفضفاضة التي لا تحمل شيئا، ومعناً محدداً، وهي كذلك ترفض الخرافة، والأسطورة رفضاً باتّاً، وما قامت إلا على كنس الأساطير، والخرافات مثل وحدة الوجود، واستقلال الوجود الذهني عن الخارجي. وبسيط الحقيقية كل الأشياء. فهي بهذا حكمة عقلانية بحتة، ولكن بمنهجها، وتصورها عن العقل، ومدى كاشفيته للحقيقة الصافية. فعلى هذا لا يحق للوضعية نبذ هذه المدرسة على أنها فلسفة دينية بعيدة عن الحقيقة. ومدرسة الشيخ تَعْتبر الوضعية قاصرة عن أدراك الحقائق الميتافيزيقية.
ولهذه المدرسة أربعة منابع للحصول على الحقائق:
1 _ الكتاب. 2- السنة. 3 _ العقل . 4 _ الكشف . 5- الإجماع.
الأول ـ الكتاب والسنة :
لقد أولى الشيخ اهتماماً كبيراً للكتاب والسنة الشريفة، بل وضعهما حاكماً ومرشداً ومقيماً للعقل والكشف. يقول الشيخ الأوحد (قد):(فإذا ترك العناد والركون والأنس بالمسألة ، وعدم الألتفات الى القواعد وإنما ينظر فيما يرد عليه من الكتاب والسنة وفيما أراه الله تعالى من آياته في الأفاق وفي نفسه بمحض فهمه وذكائه ، بحيث يكون متعلماً من الكتاب والسنة)(1).
واشترط على من أراد فهم الكتاب والسنة
ترك ثلاثة أحوال(2) :
1 _الأنس بما اعتادت النفس ، بحيث يصعب
عليها مفارقته .
2 _الرجوع الى القواعد والاصطلاحات .
3 _الاستنكاف عن الجهل في مقابلة ما عرفه العقل من الحق .
وأضاف أيضاً للثلاثة الآنفة .. عدم تأويل الكتاب أو السنة الشريفة ،
وصرفهما عن ظاهرهما ، إذ أن الكلام ذو وجوه ، وكل ناظرٍ يؤول الرواية على حسب ما
يؤيد قواعده واستنتاجه(3) .
ثانيا ـ العقل :
كما قلنا آنفا فقد أعطت هذه المدرسة دوراً كبيراً للعقل في استكشاف الحقائق ولكن اشترطت أن يكون ضمن (النص) أو لايخالف استنتاج العقل (النص) فإذا كان ذلك لا أشكال على ما يفيده العقل لنا .
قال الشيخ الأوحد (قد) :
(ولو كان العقل يستقل في إدراك شي من الاعتقادات بدون أنوارهم صلى الله عليهم لاهتدى هؤلاء) (4).
وقد اشترط لصحة قول المستدل أن يحصل له
شاهدان بقوله بلا تأويل :
أحدهما: كلام المعصوم عليه السلام
بظاهره وبباطنه الذي يوافق ظاهره .
ثانيهما: أن يكون قوله مطابقاً لما عليه ظاهر كلام العوام من المسلمين والمؤمنين لا ما يتأولونه ، فانهم لا يفهمون إلا ما ينافي الحق ولكن ظاهر كلامهم صحيح. ومعنى قولي (كلام المعصوم بظاهره وبباطنه الذي يوافق ظاهره ) احترازعن دعاويهم الباطلة ، فانهم يقولون : كلامنا هذا هو مراد الإمام عليه السلام ولكن القشريين لا يفهمونه . فهم يؤلون لكلام الإمام عليه السلام معنى يخالف ظاهره ، ويخالف القرآن ، ويخالف ما أقر الله ورسوله صلىالله عليه وآله المسلمين ، والله سبحانه سيجزيهم وصفهم أنه حكيم عليم (5) .
وقال السيد كاظم الرشتي (قد) (6) :
و إذا دل العقل القاطع على حكم، فزنه بالميزان وهو قسمان:
أحدهما: معرفة العقول عدله .
والثاني: مطابقته بالكتاب والسنة على
الوجه المقرر ، وإلا فلا تعمد عليه ، ولا تركن لديه ، فان النكراء والشيطنة شبيهة
بالعقل وليس بعقل ، فاعقل وافهم
الثالث ـ الكشف:
وهو أحد منابع هذه المدرسة كما أشرنا آنفاً ولكن بشرط عرض ما ينكشف على الكتاب والسنة فإن وافقهما أخذ وإن خالفهما ترك .
وقد قسم الشيخ الأوحد (قد) الكشف الى
قسمين :
الأول : ما يكشف الناظر به حقيقة ما
يتدبر فيه ، وليس له لحاظ غير ذلك .
فإذا تدبر أي مخلوق في آيات الله الآفاقية والأنفسية من غير الالتفات إلي ما سواها . ومن غير الالتفات الى ما كان يفهمه قبل النظر والتدبر والى قواعده التي تعلمها والى ما أنست بهذا نفسه من المسائل ، فانه ينفتح له بنسبة إقباله و إخلاصه في إقباله . وهذا هو ما يسمى بالعلم اللدني قال تعالى :((وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين))(7) . وقال تعالى: ((وعلمناه من لدنا علما))(8). وقال تعالى في الحديث القدسي:(( من أخلص العبادة لله أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ))(9) .
الثاني ـ وله ثلاثة مصاديق :
أ- ما يكشف به الناظر عن حقيقة خصوص مقصوده. فإذا تدبر ونظر في الأفاق أو في الأنفس لتحصيل ما يصحح معاندته ومكابرته للحق أو للغير حصل له شبه قوية وعبارات متينة وتدقيقات خفية تؤيد باطله، لا يكاد يتخلص فيها وردها ولا يعرف وجه بطلانها إلا صاحب الكشف الأول .
ب - ما يكشف الناظر به عن خصوص ما يؤيد
ما أنست به نفسه من الاعتقادات أو المسائل، فانه يحصل له فيها ما يؤيد نفسه.
وهذا مثل سابقه في عدم إصابة الحق.
ج - ما يكشف الناظر به عن خصوص ما يؤيد ما كان عنده من قواعد وضوابط لما يعلم ويعتقد، فينظر في الآفاق وفي الأنفس ليحصل له ما يقوي ما عنده من العلوم، فإذا أظهر له شي فيها عرضها على قواعده فإن وافق قبله وإن خالف تأوله أو طرحه، ولعل الخطأ في قواعده .
فالكاشف على نحو واحد من هذه الثلاثة لا يكاد يصيب الحق إلا نادراً ، بخلاف الأول فانه لا يكاد يخطئ الحق ، مع أن كل واحد من الأربعة يدعي الصواب ، وهي دعوى باطلة إلا أن يشهد الله سبحانه بصحتها وذلك بما أنزل في محكم كتابه وأوحى الى نبيه ـ صلى الله عليه وآله وآلهم أولياءه أهل البيت عليهم السلام ـ فإذا اختلفت الأربعة فعليهم الترافع الى محكم الكتاب والسنة فمن شهد له بالصدق فهو الصادق ، ومن لم يشهد له فأولئك هم الكاذبون(10).
الرابع ـ الإجماع:
وهو بذاته ليس كاشفاً .. الإ إذا كان
كاشفاً عن رأي المعصوم ـ عليه السلام.
(رسالة الرجعة، ط1 ،الدار العالمية،
بيروت ،ص30 )
منهجية الشيخ الأوحد:
لاشك أن كل مدرسة فلسفية وكلامية لها
منهجية تكون الطريق الممهد للوصول للحقيقة العلمية، وتمايزت المدارس في هذه
المناهج حسب مباني مؤسسها الفلسفي الكلامي. ولعلّ الشيخ أحمد بن زين الدين من
أميز هؤلاء الحكماء في مدرسته الحكمية الكلامية بمنهجيته المستقاة من الكتاب
الشريف .
ولمنهج الشيخ الأوحد تأثير كلي في
استكشاف الحقيقة وعرضها، فهو البتة لا يخرج عن إطار منهجه المستقى من القرآن وأهل البيت ـ عليهم السلام ـ فهو يقول: (وأنا لما لم أسلك طريقهم وأخذت
تحقيقات ما علمت عن أئمة الهدى ـ عليهم السلام ـ لم يتطرق عليّ الخطأ والغفلة
والزلل ومن أخذ عنهم لا يخطئ من حيث هو تابع)(11) .
وللشيخ الأوحد رضوان
الله عليه منهجان الأول في الوصول للحقيقة الحكمية والمنهج الآخر في عرض الحقيقة:
المنهج الأول في الوصول للحقيقة :
كما تكلمنا آنفا في شرح مدرسة الشيخ
وعلى الخصوص في شرح منابع حكمته. قلنا :
إنه أولى الكتاب والسنة أهمية عظيمة فقد جعلهما حاكماً ومصححاً لكل ما يعرض له من
المعلومات والإشكالات فهما الحاكمان الحقيقيان لكل نظرية حكمية طرحها الشيخ أحمد
بن زين الدين في كتبه . فعلى هذا نستطيع القول: إن الشيخ أحمد كل ما وافق
القرآن والسنة أخذه ، وكل ما خالف السنة والقرآن طرحه عرض الحائط. وهو
كما قلنا: بمنهجه هذا لا يلغي دور العقل مطلقاً بل يجعل العقل تابعاً للقرآن
والسنة .
منهجه في عرض الحقيقة :
وهذا الجانب من منهجه استقاه من القرآن
الكريم ،ومن محاورات أهل البيت ـ عليهم السلام ـ فالقرآن الكريم يقول: (وادع
إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)(12). فالأدلة التي
استخدمها الشيخ في عرضه للحقائق ثلاثة كما ذكرتها هذه الآية أعلاه . الأول دليل
الحكمة والثاني دليل المجادلة بالتي هي أحسن والثالث دليل الموعظة .
أما دليل الحكمة فهو: (الدليل الذوقي
العياني الذي تلزم منه الضرورة والبداهة)(13)
وهذا الدليل يستخدم لمعرفة الله ومعرفة الأشياء على ماهي عليه (وهو
للمعارف الحقية). (يعني أن دليل الحكمة آلة لتحصيل المعارف الإلهية الحقية
وبه يعرف الله لا غيره من الأدلة)(14). وأكبر تطبيق لهذا الدليل رسالة الشيخ
المسماة "حياة النفس في حظيرة القدس".
أما دليل المجادلة بالتي هي أحسن:
أما هذا الدليل فهو استخدام القواعد والبراهين في كل علم لتحج بها المختص بذلك العلم ، يقول الشيخ : (واعني بدليل المجادلة ما ذكره العلماء في كتبهم من البراهين والأقيسة بكل أنواعها كما هو مقرر في المنطق وفي علم الأصول (15). والمثال التطبيقي لهذا الدليل قول الشيخ ( قدس ): (كذلك مثل دليل المجادلة بالتي هي أحسن كما إذا قلت إن كان في الموجودات قديم خالق وليس بمخلوق ثبت الواجب تعالى والإ فلابد لها من صانع إذ يستحيل أن توجد نفسها أو توجد بغير موجد لها وكلا الوجهين محال)(16). وهذا الدليل لا تحصل به المعرفة الحقة وإنما يقطع حجة المخالف . بعكس دليل الحكمة .
أما دليل الموعظة الحسنة : ( فهو آلة لعلم الطريقة وتهذيب الأخلاق وعلم اليقين والتقوى (17). (وذلك لأنه طريق الاحتياط والسلامة والنجاة والظفر بالمطلوب)(18). ولا شك أن هذا الدليل يستخدم لعرض الحقائق الأخلاقية وتمييل قلوب الناس للعمل بها. ومثال دليل الموعظة التطبيقي . يقول الشيخ: (مثل دليل الموعظة الحسنة كما إذا قلت إن اعتقدت أن لك صانعاً فلا شك في كونك ناجياً من عقوبته وإن لم تعتقد ولم تقطع بنجاتك من عقوبته بل يجوز أن يعذبك فلا يحصل لك القطع بالنجاة إلا مع اعتقاد وجوده تعالى) (19). وأخيراً ، أقول إن حياة النفس صيغت على أسلوب دليل الحكمة الذي ذكرناه .
مدرسة الشيخ والحاجة المعاصرة :
إن كانت المجتمعات المعاصرة محتاجة إلى
الاشتراكية للقضاء على التناقض الهائل ما بين الفقراء والأغنياء، وإن كان التجار
في العالم محتاجين للبرجوازية للحصول على الثراء المفرط دون حدٍ أو قيدٍ .. فمن
جراء صرامة الاشتراكية تجمدت البشرية في أنظمة اقتصادية عقيمة، ومن جراء
الرأسمالية ازدادت رقعة الفقر في العالم وما النظرية المالتوسية والمالتوسية
الجديدة إلا تبرير لجشع الرأسمالية اللامتناهي .. حتى فقدت البشرية سماتها
الإنسانية وغاصت في وحل ومستنقع المادية. فصار الإنسان يحسب، هذا يربح وهذا لا
يربح، فتعالت صيحات المصلحين من يدعون الإنسانية من الفلاسفة والاقتصاديين وعلماء
الإجتماء .. فجهدت عقولهم في استنباط الحلول لمشاكلٍ، بل الأساس هي نتيجة فكرهم
الليبرالي المادي، فما ازدادوا إلا إخلاصاً للمادية وتماهياً في الرأسمالية،
فنتج عنهم اقتصاد السوق الحر والعولمة للأمراضهم الروحية والاقتصادية والاجتماعية. إن عالمنا المعاصر شرب من المادية حتى الثمالة، فصار يبحث لا هثاً خلف الروح
والروحانيات، وينفر من الماركسية ورائحتها ومن الوجودية ونزقها العابث، فالعالم
يغص بكلمة حرية وتؤلم معدته منتجات الرأسمالية اللامسئولة، والفرد أنهك من
التفكير، فهناك أناس يفكرون عنه، فماذا يفعل بعشرات الأيدلوجيات التي لا يعلم مدى
صحتها، فالواحدة تنحر الأخرى على مذبح النقد. فهناك الأيدلوجيات التي يدعمها
الرأسماليون بالأقلام المأجورة الى أيدلوجيات البرجوازيات الصغيرة الحاكمة. الى
الفلسفات الغارقة في الروح المطلق، في قبال الفلسفات المادية الجامدة على الثقافة
الوضعية..إلى عبدة الشيطان الحديثة .
فهنا في زخم هذا الكم الهائل من المتناقضات .. يبرق ضوء كاريزمية حكمية
تشكل سفينة نجاةٍ لهؤلاء الضائعين بين ثنائية الروح والمادة .. ثنائية الدين
واللادين .. ثنائية الماركسية والبرجوازية .
فهي حكمة روحية روحانية تنهل من نمير أهل البيت ـ عليهم السلام ـ الروحي من الله ـ جل وعلا ـ تطير بالفرد من عالم الناسوت الى عالم الملكوت. وهي حكمة عقلانية تتفق مع العلم مطلقاً إلا ما خالف الدين الإسلامي والأخلاق الإنسانية الشريفة. فهي بهذا تتفوق على الوضعية. وهي تشجع ملكات الإنسان وغرائزه المشروعة بحيث يعيش الفرد حريةً كاملةً مشروعةً.. وهي بهذا تقتل الوجودية وتحيي حريات الإسلام. فكنت عندما أتحدث مع الناس عن نظريات هذه المدرسة دون علمهم بها .. أشعر أن أرواحهم ترفرف معها نابذة اليأس والقلق ، فكان هذا عذري لكتابة هذا العنوان.
قالوا في هذه المدرسة:
... إنها مدرسة تكاملية ( هنري كوربان )
.
... إنها مدرسة مغالية ( الكثير من خصوم
الشيخ ) .
... إنها مدرسة أهل البيت ومن فكرهم (
تلامذة الشيخ وتابعوه ) .
... إنها مدرسة لم تفهم الفلسفة
والعرفان ( الذين لم يفهموا مدرسة الشيخ ونظرياته )
... إنها مدرسة توفيقية ( بعض الذين
ترجموا للشيخ ) .
... إنها مدرسة إخبارية ( من ظنوا إن
الشيخ يرفض العقل ) .
... إنها مدرسة مغمورة ( مَن لم يطلعوا
على الفلسفة بشكلٍ واسع ) .
5/11/1420هـ
الحواشي:
(1) الشيخ أحمد بن زين الدين ، شرح
الفوائد ،الطبعة الحجرية ، ص5 .
(2) الشيخ أحمد بن زين الدين ،شرح
المشاعر ،ط1 ,مطبعة السعادة ،كرمان،(د،ت،ن)،ص4.
(3) مرجع سبق ذكره ، ص13، بتصرف.
(4) الشيخ أحمد بن زين الدين، شرح
الزيارة الجامعة، ط1، مطبعة السعادة، كرمان ،(د،ت،ن)،ص219 ج3 .
(5) مرجع سبق ذكره ،ص274 ـ 275 ج4
،بتصرف .
(6) السيد كاظم الرشتي ، مجموعة رسائل
في السير والسلوك، ص65.
(7) الأنعام /75 .
(8) الكهف /65 .
(9) بحار الأنوار ،ج53/ ص326 .
(10) الشيخ أحمد بن زين الدين ، شرح
العرشية ، ط1 ،مطبعة السعادة ، كرمان ، ط1 ،ص3 ـ 5 / ج1 .
(11) مرجع سبق ذكره ، الفوائد، ط/ حجرية
،ص4 .
(12) النحل / 125.
(13) مرجع سبق ذكره ، الفوائد ، ط/
حجرية ، ص7 .
(14) مرجع سبق ذكره ، ص7 .
(15) مرجع سبق ذكره ، ص5 ،
(16) مرجع سبق ذكره ، ص8 .
(17) مرجع سبق ذكره ، ص12 .
(18) مرجع سبق ذكره ، ص12 .
(19) مرجع سبق ذكره ، ص7
قلنا فلسفية مجازاً ، وإلا هي مدرسة حكمية .
# الشيخ عبد الله الوايل (قد): أما المقصود بالتوحيد ليس توحيد
الأفراد ، بل التو حيد على مستوى المدارس الفلسفية ،وخصوصاً في النظريات الكبيرة
مثل( وحدة الوجود) .
تعليقات
إرسال تعليق