اتمام العقل البشري بالمعصومين عليهم السلام ضرورة معرفية

                       (كما أثبته الحكيم الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي في حكمته)  

                                                                                            الشيخ سعيد محمد القريشي

خلافا للفلاسفة العقليين. أقول نعم. أن مؤدى وصريح نصوص الحكيم والفيلسوف الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي الكثيرة تقول أن العقل يعجز عن تجاوز العقبات المعرفية الكثيرة وإدراك حقائق الأشياء.. ليس لإنه لا يملك القابلية لابتكار الحلول المناسبة أو إدراك ماهيات الأشياء ..بل لإنه يحتاج التعلم من مصدر أعلى علماً منه وهو صانعه أو أولياء صانعه كالأنبياء معلمو البشر قال سبحانه : (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ). أي التعقل بعد التبيين وفي آية أخرى: (وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ). أي الذين تعلموا من الأنيياء. والله قدم لنا درسا كيف يهتدي العقل بالوحي في القرآن في حوار جميل قال الله تعالى ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾. فإبراهيم عليه السلام لا شك لديه حاسة العقل لكنه طلب الهداية من الله في معرفته ولم يكتف بعقله. وقال لمن يرفض التعلم من الصانع ومن المعصومين (ع) :﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾. أي رفضوا التعلم من طريق المعصومين والأنبياء (ع). إذاً تعلم العقل عن طريق الأنبياء وأهل العصمة (ع) له طريقان:

١- التعلم العام وهو التمثل بأقوالهم ومنهجهم وسلوكهم ويشمل تعلم الدين والسلوك الأخلاقي والحضاري وطرق التفكير واللغة. قال تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. وقال أيضا: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ ۖ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾. أي في حال تمسكت بمنهجهم عليهم السلام تكون من الآمنين معرفياً وحضارياً.

2-التعلم بطلب المدد منهم عليهم السلام في كل مسألة قال تعلى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.  أي سبل طرق المعرفة ومعايير صدقها من كذبها التي تورث الحق واليقين ثم الطمأنينة.

ولكن بما أن الله لطيف بعباده لم يغلق طريق التعلم عن طريق العقل كاملا بل ترك الباب مواربا للتعلم بالتجارب والتكرار والتراكم للمعرفة كما قال أمير المؤمنين (ع): «التجارب علم مستفاد» وقال ايضا:( التجربة لقاح العقل). وهذا لا يعلم كل شيء بل يعلم أساسيات الحياة الضرورية لنهضة البشرية. يقول الشيخ أحمد بن زين الدين رحمه الله: ( فأجبته إلى طلبته لما في ذلك من مصلحة الإيمان وتقريرا لما قرره القرآن وما أبانوا عليهم السلام من البرهان بما هو قريب إلى الأذهان لعدم انفكاكه عن الوجدان بشهادة العقل المستنير بنور الإيمان بما يكون مهيمنا لدين الاسلام الذي أقر رسول الله صلى الله عليه وآله أمته أمة الإجابة عليه وانساقت شواهد الكتاب والسنة والعقول المستنيرة بهما)[شرح المشاعر، ج1ص2]. إذا العقل جوهر نوراني رباني يحتاج الاستضاءة من مبدأه باستمرار حتى يهتدي للحق والحقيقة والعقلانية المستنيرة.

أما تعليم الأنبياء والرب للسلوك الحضاري فهناك شواهد كثيرة منها: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾. وأيضا قوله لأم موسى (ع):﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. وعلم أبناء (آدم (تقديم القربان وهو سلوك حضاري: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. وعلم آدم اللغة والمعرفة العامة: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَاۤءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِی بِأَسۡمَاۤءِ هَـٰۤؤُلَاۤءِ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ ۝٣١ قَالُوا۟ سُبۡحَـٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَاۤ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَاۤۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَلِیمُ ٱلۡحَكِیمُ ۝٣٢ قَالَ یَـٰۤـَٔادَمُ أَنۢبِئۡهُم بِأَسۡمَاۤىِٕهِمۡۖ فَلَمَّاۤ أَنۢبَأَهُم بِأَسۡمَاۤىِٕهِمۡ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّیۤ أَعۡلَمُ غَیۡبَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَأَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ ۝٣٣﴾. وعلم داوود الحدادة:﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ۖ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾. وعلم نوح (ع) النجارة:﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾. وخلاصة طرحنا نقول:

1ـ العقل حاسة نورانية دراكة للمعارف لديها قدرة الابتكار والتكيف مع الظروف تحتاج التعلم من القرآن والمعصومين عليهم السلام باستمرار.

2ـ العقل رغم إمكاناته كحاسة عاجز عن الإحاطة المعرفية الكاملة فهو يحتاج للمعلم، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾.

3ـ أن تعليم الله للإنسان قد يكون عاما كتعليمه التدين وأصول التحضر كالخياطة والزراعة النجارة والحدادة وهكذا، وقد يكون خاصا للفرد بطلبه كما شرحنا أعلاه.

          وهذا البحث في هذا الموضوع قد يكون بدهيا للبعض وقد يكون متاهة للبعض الأخر، فهو يحتاج أيضا هداية من الله وبصيرة داخلية.

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة