أين يكمن إبداع الحكيم الشيخ أحمد بن زين الأحسائي في علم المعاد
الشيخ سعيد محمد القريشي
ورد علي سؤال من أحد المهتمين بالفكر
الحكمي أين يكمن إبداع الحكيم والفيلسوف الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي في علم المعاد
(عود الأجساد)؟
الجواب: أقول أنا سعيد محمد القريشي: الشيخ أحمد بن زين الدين
الأحسائي بخصوص الأصل العقائدي لم يأت برأي جديد في علم المعاد كأصل، بل قام
بعملية فائقة الجودة في الحكمة الإلهية بتأصّيل الحقيقة القرآنية:{أَنَّ
اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ}. وقوله تعالى: {وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ}
وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ
الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وقوله تعالى: {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا
وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً
أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ
مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}. وغيرها من الآيات
الكريمة التي أجمع على مضمونها كأصل لعود الإنسان الميت في القيامة علماؤنا رضوان
الله عليهم وجميع المسلمين من كون المعاد هو هذا البدن المحسوس، لكن لما اكتنفت
هذه الرأي الكثير من الإشكاليات التي طرحها المنكرون للمعاد على مر التاريخ منهم
التي ذكرت في الآية الآنفة: : {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا
وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً
أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ
مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}.
مع العلم تعرضت لها بالتفصيل في كتابي ـ حاشيتي
على علم المعاد للعلامة الشيخ على نقي الأحسائي رحمه الله فراجع - .
إذاً إذا كان الشيخ أحمد
بن زين الدين الأحسائي لم يأت بشيء جديد في هذا الأصل. إذن ما هو الجديد الذي قدمه الشيخ الفيلسوف الحكيم في هذا الحقل
العقائدي؟
نعم يكمن إبداع ومشاركة شيخنا العلامة
بتقديم تحليل حكمي قرآني في آن لكيفية المعاد بصورة رائعة من خلال طرح (حقيقة
الجسدين والجسمين وعالم الجسم الكثيف وعالم الجسم اللطيف) وكلا
العالمين، الكثيف واللطيف في ضمن عالم الملك الحسي وليس المثالي كما فهمها بعض
الباحثين الذين تعرضوا للتشويش فكرياً تجاه الشيخ وفكره وهذه المشاركة من الشيخ
ساهمت في تلاشى إشكالات جميع الملاحدة على مر التاريخ وحل شبهة الأكل والمأكول
نهائيا. وهذه الإشكالية الواقعة في هذا الحقل التي ذكرناها أعلاه التي يهاجم بها
الشيخ العلامة محصورة عند من لم يفهم الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي، أو فهمه
ولكن قرأه بشكل حاقد وانتقائي من أجل التشويش والتشويه – وهذا فعل سياسي وليس
علميا - ثم بظنه، أي ذلك الحاقد إنه أخرج رأي الأحسائي عن دائرة الفكر الشيعي
والتأريخي لعلم الحكمة والكلام الإسلاميين من خلال القيام بعملية العزل الفكري
والثقافي الممنهج والمقصود.. ولعل ذلك الحاقد قد نجح في خلق نوع ما من
التشويش والتشويه على هذا الرأي الإبداعي العبقري الذي قدمه شيخنا الحكيم في تحليل
مسألة المعاد في وقته، والسر في ذلك كون الركيزة التي اعتمد عليها الكارهون
للأحسائي هي انتشار فكر المدرسة المشائية والمتعالية في العقلية الفلسفية المدرسية
الجعفرية على الأقل في حلقات الدروس الفارسية في ذلك الوقت. وكانت تملك السلطة
الفكرية على العقلية العلمية الحوزوية آنذاك ولا زالت حتى الآن وهذا ليس عيبا ولا
نقصا في الحلقات العربية بل لشدة اهتمام المجتمع الفارسي بالعلم بشكل مستمر، وهذه
السلطة العلمية قد لا يروقها ما تراه يهدد سلطتها الفكرية فالذي لا يشكل تهديدا كان يمر فكرياً بسلام
دونما تشويش عليه منها، وإن كان هذا المنتج العقلي ممن يشوش عليها، ويدخل زعزعة وخلخلة في منظومتها الفكرية لا شك سيجد
معارضة عنيفة من حملة تلك المنظومة الفلسفية، وإن لم يعدم وجود أنصار من نفس
المنظومة الفكرية للشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي عن الطريق التحول للمنظومة
الجديدة بسبب التلمذة أو الاقتناع الفكري، أو الإنصاف في أحسن الأحوال بسبب التقوى
والعدالة التي يتمتع بها الفقهاء والصلحاء. مع العلم في العقود الخمسة المتأخرة
أغلب البحوث العقائدية والفلسفية في معاهد الحوزة العلمية تطرح رأي الشيخ احمد بن
زين الدين الأحسائي وتتبناه دون نسبته لذلك العلامة المظلوم رحمه الله.
على هذا الأساس نجح الفيلسوف والحكيم الشيخ
أحمد بن زين الدين الأحسائي في تعديل وترسيخ رأي المنظومة الحكمية الشيعية في
مسألة المعاد ضد فكرة عود الصورة والمشخصات النفسية مع خلق جسد جديد لها، الذي كما
تعلمون هو رأي المدرسة المتعالية والذي لا زال يُدّرس في المنهج التدريسي الحوزوي
على أنه حق محقق لا جدال فيه، رغم ما فيه من إنكار صريح للمعاد الإسلامي بإقرار
شرّاح المنظومة والأسفار الكبار كالسيد رضا الصدر في صحائف الفلسفة[صحائف من
الفلسفة،ص711.]. والسيد محمد الشيرازي في شرحه على منظومة السبزواريي. وغيرهم.
نخلص إلى نتيجة وهي كون الأحسائي أصل
فكرة المعاد القرآنية التي هي بالأصل موجودة في كتب علماء العقيدة الشيعة كالتجريد
وشرحه للعلامتين الطوسي والحلي، وهي أن هناك في جسد الإنسان:
ـ أجزاء أصلية تعود: هي الجسد الأصلي
عند الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي.
ـ وأجزاء فَضْليّة لا تعود: هي الجسد
العنصري عند الأحسائي.
إذن لا غرابة ولا إنكار للمعاد عند الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي على العكس منه
المدرسة المتعالية التي مؤدى طرحها تتخلله شبهة التضاد مع المعاد الإسلامي بشكل
صريح جداً.
وكما قدم شيخنا حكمة أصل عود الجسد في
القيامة، كذلك قدم لنا تحليل وحكمة عود الجسم المثالي قالب الروح ومركبها في
البرزخ، كما شرحناه في كتابي – حاشيتي على المعاد للعلامة الشيخ على نقي الأحسائي
رحمه الله - .

تعليقات
إرسال تعليق