تصنيف أفكار الشيخ أحمد بن زين الدين وتلميذه السيد الرشتي من حيث المنهج والموضوع والأسلوب (1)

ما هو المعيار المنهجي لتصنيف أفكار الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي والسيد كاظم الرشتي(رحمهما الله)

الشيخ سعيد محمد القريشي

مما لا شك فيه هناك اهتمام بالغ الأهمية من باحثي الفكر الفلسفي في إعطاء جدوى للمتلقي بناء على تصنيف الأفكار قبل ابتداء مشروعه في استيعاب تلك الأفكار، أكان تصنيفاً لفكر فرد، أو مدرسة أو تيار، أو حقل من حقول الفلسفة البشرية. والتصنيف بحد ذاته يسهل عملية تعيير تلك الأفكار وقياسها وتحديد معيارها قبل كل ذلك، فمن غير المجدي قراءة فكرة ما دون إخضاعها للتعيير والقبول عند المتلقي، إذاً هدف التصنيف إخراج تلك الأفكار من حقل الشتات الفكري واللا قوننة لحقل القوننة والتعيير وإعطائها النسبة الصحيحة، فمثلا لو قلنا هذه فكرة فلسفية أو حكمية هي نتاج عملية تأويلية لا بد لإخضاعها لمناهج التأويل المعتبرة في الحد الأدنى عند ذلك الفيلسوف والحكيم، فعملية تصنيف الأفكار الحكمية والفلسفية شيء مهم لأنه يعطي الباحث القدرة على الفهم المنهجي، ويعطيه استكشاف العلاقات بين المذاهب الفكرية، وتحديد تموضع كل فكرة في بنية الخريطة الفلسفية والحكمية والمعرفية العامة، ويسهل الحكم على المنتج العقلي للفيلسوف المدروس. إذاً هذه العملية التصنيفية ليست ترتيباً شكلياً للأفكار، بل هي أداة معرفية تنسق التفكير المنطقي وتسهل عملية المقارنة والتحليل والاستنتاج النهائي. والآن لماذا يحتاج الباحث إلى تصنيف الأفكار؟ الجواب:

1ـ لتنظم المعرفة وتوضيح بنيتها الفكرية. فيلسوف مثل كانط اعتبر التصنيف يساعد الباحث على رؤية الفلسفة كنظام معرفي مترابط وليس أفكاراً مشتتة، فاعتبر التصنيف شرطاً لفهم أي مجال معرفي لأنه يكشف العلاقات بين المفاهيم ويظهر البنية الداخلية لفكر الفيلسوف المدروس[1].

2 ـ يسهل عملية المقارنة بين المذاهب المعرفية والفلسفية والمدارس داخل هذه المذاهب والتيارات، فعندما تصنف الأفكار ضمن معايير (مثلا: العقلية/التجريبية، المثالية/الواقعية، الأخلاقية/الميتافيزيقية)، هذا يسهل العمليات التالية في دراستك للفيلسوف المدروس: مقارنة الفلاسفة وفهم نقاط الاتفاق والاختلاف بينهم، وتتبع تطور فكر الفيلسوف عبر التاريخ مقارنة بغيره. وهذا ما أكد عليه باحثون من الغاية من التصنيف في الفكر بشكل عام وفي علم المعلومات وليس الفلسفي فقط حين قالوا ان التصنيف الجيد يكشف العلاقات المعرفية بين العناصر ويظهر الروابط الخفية. إذاً التصنيف الذكي يربط بين عناصر وكلمات وجمل قد تبدو متباعدة ظاهرياً ولكنها تتشارك في سياق وظيفي أو سببي وتظهر واضحة للباحث في المنشأ والغاية والمآل وفي التركيبة النهائية لفكرة البحث للفيلسوف المدروس. ما بالك إذا كان التصنيف يشمل أموراً معقدة مثل (الظاهر/الباطن، أو الحكم الكلامي/ الحكم الفلسفي، أو خاضع للعقل/ أو النص، او ناتج الدليل الصريح/ الدليل الإشاري، أو دليل التلويح/دليل الكناية، أو دليل الكشف/ دليل الذوق، أو يجب الاعتقاد/ لا يجب الاعتقاد، أو للخاصة/ للعامة، أو لمختصي علم الحرف/للفقهاء والمتكلمين، او مبني على دليل الحكمة، أو دليل العقل المحض والجدل)، وهكذا من تصنيف الأفكار داخل مدرسة الشيخ رحمه الله الذي يجب على الباحث في مدرسة الشيخ الإحاطة بها قبل البدء في قراءة كتب المدرسة وفهمها والحكم عليها.

3ـ تحديد موقع الباحث نفسه، أين يقف هو، أي مدرسة يتناول دراستها، هل هذه المدرسة المدروسة قريبة من منهجه البحثي أم بعيدة، هل هناك فجوات معرفية يمكنه القيام بملئها من خلال بحثها؟ على الأخص في المدراس الفلسفية التي لا تخضع لرؤية ومنهج موحد.

4ـ التصنيف يساعدنا في فهم التعددية في العقول والتعددية في الحقائق، فبعض الفلاسفة المعاصرين يفهمون أن اختلاف التصنيفات يعكس اختلاف العقول نفسها، والفلسفة والحكمة الإلهية أكبر وأعقد من أن يختزل في رؤية واحدة. إذاً التصنيف يساعدنا في فهم هذا التنوع بدل إلغائه، وهذا الاتجاه يسمى التعددية الابستمولوجية. ولعل هذه الاتجاه لو اتخذه الباحثون لما تعرضت مدرسة الشيخ لكل هذا التعسف في الحكم على مبانيها المعرفية بشكل عام.

5ـ تجنيب الباحث الفوضى المفهومية، من دون التصنيف تختلط المفاهيم على الباحث، هل هذا الفيلسوف المدروس يتحدث نظرية الوجود، أم نظرية المعرفة، هل يتحدث عن الفلسفة النصوصية، أم العرفان الكشفي، هل يتحدث عن المنهج الفلسفي العقلي المشائي، أم المنهج الحكمي القرآني، هل يتحدث عن نشوء اللغة من خلال النصوص المعصومية، أم نشوئها من خلال علم الآثار والتاريخ، هل هو يتحدث عن علم النصوص الصريحة، أم النصوص المأولة، وهكذا تبدأ لدى الباحث المعرفة النقية، أو تبدأ لديه المعرفة الفوضوية في الفكر، فحينما يقرآ أحدهم كتاب شرح القصيدة للسيد كاظم الرشتي تعرف أين سيبحر ذلك القارئ دون اللجوء للتصنيف الفكري والمعرفي، فتأمل.

6ـ التصنيف يساعد الباحث في بحثه الأكاديمي وتغذية التاريخ الفلسفي، فبدونه سيجد عسراً بحثياً. ومن ناحية أخرى التصنيف يساعد الباحث تحديد الأسس المشتركة بين منظومة العلوم والفلسفة والحكمة الإلهية ومنظومة العلوم الدينية بشكل عام، ومنظومة العلوم القديمة والوسيطة ومنظومة العلوم الحديثة والأكثر حداثة، وهكذا.

ـ ما هو المعيار الأهم في تصنيف الأفكار في مدرسة الشيخ أحمد بن زين الدين؟:

الحقيقة هناك معايير عدة حسب الموضوع أو المنهج أو غيرهما، والمعيار الأهم هو المعيار الذي يمزج بين الموضوعي والمنهجي والأسلوبي، أي يجب على كل باحث قبل البدأ في استيعاب فكر الشيخ عليه تصنيف أفكار الشيخ ضمن هذا المعيار، فالموضوع يحدد طبيعة الأسلوب والمنهج الذي يسلكه الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي وتلميذه السيد كاظم رحمهما الله. والمنهج والأسلوب يأتيان تلبية للموضوع، والموضوع يطلبه السائل وكذلك المنهج والأسلوب يطلبها السائل في أغلب الرسائل عند الشيخ أحمد وتلميذه السيد كاظم رحمها الله، فموضوع علم الحرف يقتضي منهجاً وأسلوباً خاصاً يختلف عن الطرح الحَكمي الذي يقتضي منهج دليل الحكمة وأسلوب دليل الحكمة. أما الموضوع الفلسفي فيتطلب المنهج الجدلي العقلي والأسلوب الفلسفي الأرسطي، وهكذا في تنوع المواضيع المناقشة في كتب الشيخ والسيد.

المراجع والحواشي:

[1] المسار الابستمولوجي لبناء المعرفة عند كانط من منطلق نقد العقل الخالص، رواقات سمية  . زيغمي أحمد ، مجلة روافد للدراسات و الأبحاث العلمية في العلوم الاجتماعية والإنسانية، ص458.

 

(رحم الله من قرأ الفاتحة لروح أهلي ولجميع موتى المؤمنين)

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة